المقام الأزرق
كتبهاعبدالهادي الشهري ، في 15 سبتمبر 2006 الساعة: 20:47 م
.. صعد بأنفاس لاهثة الدرج المفضي إلى سطح المنزل, حيث أزواج الحمام والسماء..
محتضناً العود بشوق.. كان يتقن عزف السلم الموسيقي درجة درجة .. غاب لساعات في ذلك الصعود والهبوط..
فتنته الموسيقى مبكراً .. صوت آلة العود بقرارته الدافئة المختلطة بسحب كثيفة ولا تمطر .. خلاف آلة القانون المشبعة أوتارها بالماء, تنهمر شلالاتها على دكّة غارقة في بحيرة فضية لا يفيق من خدرها..
لكنّ الطائرين المرسومين على شبك العود الأبيض شدّاه إليه بعيني طفل لم يتجاوز السابعة.. حين تتجاوب الأوتار ترسم غلالة شفيفة أمام الطائرين فيوشكان على تحريك أجنحتهما..
عدل عن القانون لصالح الطائرين .. فوجئ بأن العود الذي اقتناه خلت شباكه منهما.. لكنه الآن في سن يستطيع تخيلهما هناك..
كان شريط من قوس قزح ينثال من بين أصابعه وهو يداعب صدر الآلة في حين أخذت خيوط الشمس تتراقص على الأوتار النحاسية العليا .. وطار سرب حمام..
***
عندما آذنت الشمس بالمغيب .. تمدد باسطاً ذراعيه بأقصى ما يستطيع.. حتى يسترخي حاول أن يضع حرف الحاء في معدته*.. شعر بأمن وسلام يغمرانه.. صار يتنفس من أصابع قدميه.. امتدت يده إلى العود واحتضنه.. أحس به طفلاًً ينام على صدره فطبع قبلة على رقبته.. وسرت رائحة الخشب المطلي في أنفه..
وجد نفسه يسير في درب طويل تتسامق على جانبيه الأشجار.. كان يزيح بعضها عن وجهه ليكمل طريقه. انعطف يمنة فانبسط أمامه مرج واسع.. كان هناك أشخاص يرتدون البياض.. تقدم حثيثاً فرأى شيوخاً بلحى بيضاء يتوسطهم شيخ جليل بلحية مهيبة وبيده عود .. كانوا يغنون بصوت متحد وفي غياب تام حتى إنهم لم يشعروا به.. جلس لينصت :
"ريم على القاع بين البان والعلم"
عجب لحفظهم التام قصيدة " نهج البردة " ثم المقاطع الأخيرة من رباعيات الخيام
"إن لم أكن أخلصت في طاعتك
فإنني أطمع في رحمتك"..
كانوا يتوقفون بين الدور والآخر ليبلوا حناجرهم بالماء المثلج, يطاف عليهم في مغاريف فضية تنبعث منها رائحة "المستكا".. مدّ يده ليأخذ كأساً فانتبهوا لوجوده.. "من أنت" .. "عبدالرحمن" ..
"ابن من" .. تلعثمت الأحرف على لسانه الجاف.. بادره الشيخ ذو اللحية المهيبة بالعود.. أخذه متردداً.. شعر به يغور بعيداً بين أضلاعه.. لكنه تماسك وعزف تقاسيم مرتجلة من مقام "الراست".. لم يمهله, سحب العود بعنف "هذا مقام لا يليق بالوقت الذي نحن فيه.." نظر إليه متسائلاً .. "اعزف من الأزرق" .. "هل تعرف السلم الموسيقي" .. "نعم دو ري مي فا .." ضحكوا جميعاً, ولم تخل وجهه من بوادر بسمة "ماذا يعني هذا .. السلم الموسيقي هو الأحمر الأرجواني الأصفر الأخضر .." وأخذ يعدّد ألوان الطيف.. تناول العود وعزف فإذا المرج يتحول إلى سجادة زرقاء وإذ بالسحاب يدنو قليلاً قليلاً حتى غابت الرؤوس داخله .. لم يعد يرى الوجوه .. أصبح فقط يستمع إلى ذلك العزف العجيب.. وطارت به سحابة فإذا به ملقى على السطح.. وتنفس الصعداء..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عن الأستاذ الفنان غازي علي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة | السمات:قصة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 17th, 2006 at 17 سبتمبر 2006 4:20 م
الأستاذ عبد الهادي الشهري
سعيدة حقاً بالقراءة لك، سعيدة بـ”المقام الأزرق”، أحب الشِّعر أطير به، لكن نفسي ترتاح حين أقرأ سرداً جميلاً تماماً كراحة الواصل لبيته بعد سفر بعيد.
هنا لا أجد كاتب سردٍ وحسب، وإنما فنان يعزف على أوتار العود، الذي يؤمن به طفلاً حياً ينبض بالحياة والعذوبة.
أستاذي، أعتقد بأن هذه الجملة تحتوي على خطأ مطبعي، هذه العروس/ القصة لا تستحق أن يكون في وجهها “الثّالولة” في وجهها: “فوجئ بأن العود الذي اقتناه خلاه شباكه منهما” الخطأ المطبعي هو خلاه، هي خلا. صح؟
أما هنا أستاذي أتساء، هل أردتَ حضرتك أن المرج يتحول (إلى) سجادة زرقاء، أم هو يتحول على سجادة؟ “تناول العود وعزف فإذا المرج يتحول على سجادة زرقاء وإذ بالسحاب يدنو قليلاً قليلاً حتى غابت الرؤوس داخله”.
مدينة لك بالسعادة التي شعرتها وأنا أقرأ/أسمع موسيقى النّص.
دمتَ بخير
سبتمبر 17th, 2006 at 17 سبتمبر 2006 4:24 م
:O باب النّجار مخلع، هذا إن عَددتُ نفسي نجاراً… فيا الله!
لم أفهم شيئا من جملتي هذه بعد أن قرأتها بعد نشرها، لعن الله العجلة:”هذه العروس/ القصة لا تستحق أن يكون في وجهها “الثّالولة” في وجهها:” قصدت بأن هذه العروس لا تستحق أن يكون في وجهها ثالولة..!
دمتَ بخير
نوفمبر 13th, 2006 at 13 نوفمبر 2006 10:18 ص
نرجو الملاحظة أننا قمنا بحذف هذا التعليق، لمخالفته للشروط والقوانين وتجاوزه حدود الآداب العامة